:: الصفحه الرئيسيه :: :: اتصل بنا ::
 

قيرنيس

 

قرينيس .. أحد أبناء المسامير من القواسم ، شخص انقطع نسله فلم يبق من عقبه من يحي ذكره .. لكنه بطيب فعله وحازم مواقفه نقش اسمه في ذاكرة القواسم ، فلا يوجد في شيوخهم من لا يعرف قصته ، ولا يضره جهلكم به معاشر الشباب .. ونحن وإن كنا نعرف أنه عاش في أوائل الحقبة العراقية فمن المؤسف أننا لا نعرف في زمن مَن مِن شيوخ القواسم عاش ..

لم يكن لقرينيس إلا أمه العجوز وابن عم - من الدرجة الخامسة - كبير في السن وثري ... وقد حصلت مشكلة بينه وبين أحد ( الدغفق ) من المسامير انتهت بقتل ذلك المسماري ... فلم يجد قرينيس بداً من الجلاء عن القبيلة كما هو العرف ، فرحل مع أمه العجوز إلى ديار الفدعان من عنزة القاطنين في بلاد الشام ، أما ابن عمه الشيخ فقد بقي في ديار الظفير بعد أن دفع لأولياء الدم جملاً يسمى ( رتاعة ) ..

بعد مدة لا نستطيع تحديدها ، نزل ابن عمه على ( جو الدليمية ) من أطوال الظفير والتي ينزلها في ذلك الوقت السويط والطلوح .. ولأن مبدأ القوة هو السائد بين الناس ، ولا بد من وجود ضعيف نفس يحاول دائماً إبراز شخصيته على حساب الضعفاء ، فقد بدأ شخص اختلف فيه وأشهر الروايات أنه من الطلوح .. بدأ في ظلم هذا الشيخ الضعيف ، فدائماً يطرده عن الماء فلا يرد بإبله إلا آخر القوم ...

وفي أحد الأيام وردت إبل صاحبنا على الماء وصادفت وجود هذا الضعيف المتجبر فطردها عن الماء وكفأ حوضها وهي تشرب ، وهذه مسألة عند البدو كبيرة تطير بشأنها الرقاب لو كان لهذا الشيخ قوة .. .. فانفطرت كبده من الغيض والغبن ، فصاح صيحة لا زال آباؤنا يحفظونها ( قرينيس يا فزع البل ) ........... شاء الله أن يحدث هذا الموقف وتتعالى تلك الصيحة أمام أنظار وأسماع رجل طرقي ( عابر سبيل ) من قبيلة عنزة ورد الماء لكي يشرب ويورد ناقته ويملأ قربته .....

أيام وكان هذا العنزي يمر في ديار الفدعان وينزل ضيفاً عند من يجاورهم قرينيس .. وبعد العشاء لعب الرجال ( اللبية ) لعبتهم المشهورة .. ودون شعور منه ، وبمجرد أن سمع أحدهم يقول : إلعب يا قرينيس !! انفلتت منه كلمة بزفرة خفية : ( ول ظفيري مبعد فزعك ) .. ورغم خفوتها إلا أنها استقرت في أذن قرينيس الذي رفض إكمال اللعبة ... وبأقرب فرصة خلا بالضيف ليسأله الخبر وبعد تمنع الضيف وإلحاح قرينيس أخبره بما رأى وسمع .. .. ولم يكن صعباً أن يعرف تفاصيل القصة ومكان وقوعها وشخصية المظلوم من خلال وصف الضيف لها ...

وفي ليلته أخبر أمه بوجهته وحمل معه على ذلوله من الزاد ما لا يحتاج إلى نار .. وسار يصل الليل بالنهار ، حتى وصل إلى بيت ابن عمه في آخر الليل ، وقبيل الفجر طلب منه أن يرد الماء قبل الناس كلهم ففعل ذلك ، وما هي إلى برهة حتى أتى ذلك الشجاع الجبان ليطبق قانونه الخاص ، ولم يفطن إلا وهو قاعد على الأرض برجل واحدة ، أما رجله الأخرى فقد قطعها قرينيس من أعلى الفخذ .. هرب بعدها قرينيس ودخل في بيت ابن ضويحي ، ثم دارت المفاوضات ، بعد أن علا الصياح في القطين ..

قرينيس وبحسب العرف في جوار ابن ضويحي ، وله ثلاث ليال لا يجوز أن يمسه فيها أحد .. وخلالها يستطيع الوصول إلى بيته .. .. ومما يعقد المسألة من وجهة نظر المجني عليه وأهله – غير قوة الخصم ومضاء همته – أنه لا يملك شيئاً يخسره .. فهو ( على راس مجلاه ) ، أي أنه جالٍ بهم وبدونه فأي عقوبة يوقعونها عليه .. فلم يجدوا بداً من قبول الدية التي دفعها ابن العم ...

كان لقصة فزعت قرينيس المكوكية التي قطع فيها كل الأرض المعروفة لهم ، ولشهامته ونخوته وقعاً جعل المسامير يزيدون ضغطهم على الدغفق ليرضوا بالدية ويقبلوا برجوع قرينيس ، وقد كان ذلك فرجع قرينيس للقواسم ....

إشارة : ليست هذه السلسلة ترجمة أوسيرة شخصية ، بل هي نقطة ضوء تسلط على موقف واحد لشخصية مليئة بكل ما هو عظيم .. وليس للترتيب فيها أي مدلول ، بل يحكمه حضور القصة واكتمالها في الذاكرة ..

محمد عايد .. بتاريخ 23/11/2006

 

   
إهداء للقواسم من شبكة النادر