:: الصفحه الرئيسيه :: :: اتصل بنا ::
 

ساعات قاسمية


كنت قررت عدم كتابة شيء في التاريخ خوفاً على التاريخ من أمثالي ... لكني خسرت كالعادة !!... فقد استدعيت القلم لما استدعتني الفكرة ، ولما عرفت أن التاريخ يشكو أهله .. وأن مدرسي التاريخ مشغولون بعد حصى المريخ ... فحاولت أن أكتب بعض ما يعلق بالذاكرة !!.. وأرجو التعقيب ممن لديه إضافة أو تصحيح ...

في أثناء هجرة القواسم الثانية للجزيرة الفراتية مع مجول الجربا عام 1892م وقعت هذه الأحداث أو ( هذه الساعات القاسمية ) !!..

كان القواسم يقطنون الجزيرة الفراتية في جوار الجربان ويساكنون قبيلة شمر ... وفي أوائل الربيع والناس راحلون ، وكل منهم يبحث عن منزل جديد ... أختار عايد الكخر الخميسي فيضة ينزل فيها وركز فيها رمحه ... فتبعه رجل شمري ووضع متاعه في تلك الفيضة ... ترك فارسنا القاسمي فيضته للشمري وبحث عن أخرى ، فتبعه ذلك المجهول إليها .. فأبدلها بثالثة فتبعه الشمري أيضاً كالطالب للشر ... فبادره عايد بالسباب وحضر الشيطان بين الرجلين .. أقذع له الكخر في القول وامتطى صهوة (ليلى) فرسه الشهيرة ثم صاح على إبل الشمري وشتتها وهي حركة لها دلالتها عند البدو، فلما رأت شمر فعله ركبت في أثره ... عندها أطلق لفرسه العنان ، وبسرعة البرق تكاثر من ورائه الطالبون – فهو بين بيوت شمر – حتى ركب ممن هم أمامه ، من يريد استقباله ... فانحرف بهم وعنهم .. وصاح صيحته الخالدة (ليلى يا بعد سوهاج) يندب فرسه ويستحثها على الركض ... وسوهاج هذا أخوه العزيز ... فصارت تسابق الريح ... حتى أيس القوم من اللحاق به فرجعوا إلى بيوتهم ..

وصل عايد إلى أهله وعَلم شبرم بالخبر ... وقبيل المغرب وحينما كان شبرم على فرسه أمام البيوت القاسمية أقبلت فرسان من جهة شمر .. فانتظرهما شبرم ِكالمستقبل لهما ، معتقداً أنهما أقبلا للعتاب فالقصة لا تستحق أكثر من ذلك ... كان أحدهما ( مضحي بن جدي ) وهو من شيوخ شمر وفرسانهم ... قد أخذته الأنفة حتى أنه لم يقف حتى صدم بفرسه فرس شبرم الذي سقط عقاله على الأرض ... وهنا تختلف الروايات القاسمية بين قائل أنه أخذ عقال شبرم برمحه ومنهم من يقول إنه حاول ذلك فلم يستطع ... لكن الرويات تجمع على أن شبرم - أعزل السلاح ساعدتها - صاح باثنين من القواسم أقبلا إليهم ( أذبحوا الرجال ) فأطلقاً عليه النار فأردياه قتيلاً ... وهرب صاحبه .. وهنا تبرز القدرة على إتخاذ القرار فما كان شبرم ليترك فعل مضحي بن جدي دون عقاب حتى لو كان من شيوخ شمر ومن أشهر فرسانهم ..

عندها أمر شبرم بالرحيل مباشرة رغم حلول الظلام ... وقال ( خلوا بينا وبينهم مكان لمطارد الخيل ) وهذا قرار سريع من قائد وخبير عسكري ... قرار أراد به تجنيب القواسم حرب شاملة ... فهم يقيمون وسط شمر ولو بقي الوضع على ما هو عليه لأشترك حتى الرعيان والنساء في قتال القواسم ... ولهجم عليهم كل من يستطيع أن يحمل العمود أو الفأس مستغلين كثرتهم ... فرحل القواسم في الليل ولم ينزلوا إلا بعد أن تركوا بينهم وبين شمر ما يقارب ثمانية كيلو مترات لتكون ساحة للمعركة ونجح شبرم في إنقاذ بيوت القواسم ونساءهم ، حين نجح في حصر المعركة بين الفرسان فقط ..

وضع الناس رحالهم وتفقدوا أحوالهم ... ففقدوا ( قطبة ) لمرزوق بن مطيلق والقطبة بيت الشعر الصغير.. وكان قد سقط في الطريق ... فقال شبرم : ( لازم نرجع له .. لا يقولون شمر باكر أخذنا بيت الجواسم ) .. فرجع عشرة فرسان أحفظ منهم ستة (( شبرم ، العاصي بن دبيسان ، عايد الكخر ، فرحان أبو رويس ، محيسن الضبعاني ، نويديس الفريهيد )) ...

كان الشمامرة قد هجموا في ليلتهم حين بلغهم الخبر ... ولما لم يجدوهم القواسم تتبعوا الأثر ... وحين وجدوا ( القطبة ) قالوا : ( شبرم ما يخليّه لازم يرجع له ) فعسكروا عندها ... لما وصل فرساننا العشرة إلى حيث القطبة ورأوا جيش شمر وكثرتهم .. أصدر شبرم أمره بالانسحاب فليس من الحكمة المخاطرة ولو بفارس واحد من أجل ( قطبة ) خاصةً في ظل هذه المؤشرات من حتمية الصدام وإشتعال الحرب ... لحق بهم الشمامرة وكانت فرس شبرم (لقحه) مما شكل خطر على حياته .. فاستمات فرساننا في دفع فرسان شمر عنه وأبدوا بطولات فردية في ردهم ... وانتهت هذه المناورة بسلامة فرسان القواسم ورجوع شمر إلى أهلهم ..

لما وصل شبرم ومن معه إلى بيوتهم ... ندب شبرم رجلان من القواسم هما ( دلغان البليع وقروط بن خشيبة ) للذهاب إلى منيف الجارالله الجرباء – وكان ينزل مع قلة من قومه قريباً منهم – وصل الرجلان إلى منيف الجرباء وأخبراه أن شبرم يطلب حضوره لأمر ألم به ... أستفسر منها عن الخبر .. فكتما عنه الحقيقة أول الأمر وحاولا التمويه ، لكنه أصر قائلاً ( شبرم ما يطلبني لحاجة سهلة فلا تكذبون علي ) فأخباراه بقصة مقتل (ابن جدي) ...

سار معهما إلى القواسم .. وفي الصباح ركب منيف الجرباء ومعه أحد الجربان يرافقهما شبرم إلى مطني الصديد شيخ الصايح يطلبون منه أن يضع القواسم في جواره لمدة ثلاثة أيام فقط ، فالجرباء لا يستطيع أن يجعله في وجهه لأن الخرصة قومه بعيد عنهم ... وهذه الثلاثة أيام يسميها البدو ( المهربات ) والغرض منها أن يقوم المطلوب بتأمين نفسه فقط .. وبعد الثلاث يسقط الجوار ويحق لطالب الثأر اللحاق بالمطلوب ..

وليس من فضول الحديث أن نذكر أن القواسم كانوا قد قتلوا فرساً لابن مشكي من شمر قبل هذه الحادثة ... وعند مطني الصديد طلب شبرم منه الوجه .. فوافق بشرط أن يدفع القواسم دية مضحي بن جدي وفرس ابن مشكي .. وأن تكون دية ابن جدي 50 ناقة ودية الفرس فرسين الأولى (ليلى) فرس عايد الكخر والثانية (الكحيلة) فرس ابن خشيبة ...

رغم فداحة الموقف وشدة الخطب ، واجتماع بطون شمر وهي تدق طبول الحرب للثأر .. ورغم ضآلة عدد القواسم وأنهم قاطنون في دار عدوهم ... رغم هذا كله ، تبقى الصلابة والصلافة قرينة الأبطال وصفة الرجال الشجعان ... رد شبرم على عرض مطني الصديد بقوله ( تطلب عيون خيل الجواسم بمهلوبتكم !! والله ما تاخذونهن إلا يصيرون الجواسم تراب ) ... فتدخل منيف الجرباء لتهدئة الموقف وقال ( يا مطني حط الجواسم بوجهك ) .. أجاب الصديد : ( ما تسمع شبرم شيقول ؟!! شلون أحطهم بوجهي وشبرم معيي ) أي رافض .. فقال منيف : ( يامطني ما لك شغل بشبرم وجهك علي أنا ) ودي ابن جدي 30 ناقة ثلاثين وفرسين بدل فرس ابن مشكي .. عندها رضي الصديد وأدخل الجواسم بجواره لثلاثة أيام ... وانتهت بذلك هذه الساعات الحرجة من تاريخ القواسم .. بعدها دفع منيف الجرباء الدية من ماله ...

لكن التوتر ظل مستمراً حتى استحال إلى معارك وحروب طاحنة أبدى الجواسم خلال صنوف البطولات خلال تسع سنوات قضوها في الجزيرة الفراتية !!

ذكرت لكم منها في هذا المقال ساعات معدودة ..

محمد عايد .. بتاريخ 21/3/2007

 

 

 

 

 

   
إهداء للقواسم من شبكة النادر