|
الصفحة الثالثة من تاريخ القواسم
(3) حقبة قاسية
تحدثنا في الصفحتين السابقتين عن بروز القواسم داخل
قبيلة الظفير وحصولهم على أصايل الخيل أيضاً. وسنتحدث
اليوم عن حقبة تاريخية من حقب تاريخهم قد تكون حزينة
ولكنه التاريخ يأبى إلا أن يكتب كما حدث.
بعد أن برز القواسم في سنة 1080هـ (1669م) كما أسلفنا
يغيب ذكرهم قليلا عن صفحات التاريخ وذلك لأن المؤرخين
في تلك الفترة كانوا يميلون إلى الاختصار الشديد في
عرضهم وكتابتهم للتاريخ بالإضافة إلى كونهم من أهل
الحاضرة الأمر الذي يجعلهم لا يهتمون كثيرا بتفاصيل ما
يحدث في البادية. وقد ورد أول ذكر لابن عفيصان شيخ
القواسم سنة 1130هـ (1717م) في تاريخ الفاخري حيث يشير
الفاخري إلى وجود فتنة داخلية في جذم الصمدة من الظفير
فيقول:
في سنة 1130هـ( 1718م) أخذ ابن سويط ابن غبين , وابن
عفيصان الصمدة) وذكر ذلك الحدث ابن ربيعة في تاريخه
بنفس الاختصار ولكنه غير ترتيب الأسماء فذكر أخذ ابن
عفيصان للصمدة قبل أخذ ابن سويط لابن غبين)
و(ابن عفيصان) المقصود هنا غير (ابن عفيصان العايذي)
الذي لم يظهر إلا في عهد الدولة السعودية الأولى وأصبح
الرجل المخلص للدولة في منطقة الأحساء وقد زرت قصره
الأثري مرتين في مدينة الهفوف عندما حاولت البحث عن
علاقة بين العائلتين فلم أجد شيئا من هذا...
وقد ذكر الأستاذ المؤرخ عبدالله العسكر الرواية
السابقة وعدها من معارك القواسم في نجد وبين في
الحاشية أن المقصود هنا ابن عفيصان القاسمي وذكر أنهم
غير أسرة آل عفيصان العايذي أمراء السلمية بالخرج..
وما أن ظهرت الدولة السعودية الأولى والثانية حتى
توالت النكبات على قبيلة الظفير بشكل عام والصمدة بشكل
خاص.
ففي سنة 1195هـ (1781م) ذكر كل من ابن بشر والفاخري
وقعة( مبايض) على الصمدة والسعيد حيث سار إليهم سعود
بن عبدالعزيز بأعداد كبيرة من الحاضرة والبادية
واستنفر أيضاً أهل سدير فقتل من الصمدة والسعيد الكثير
من الرجال أبرزهم (دهام أبا ذراع) و (ثواب بن حلاف) ..
وفي سنة 1209هـ (1794م) ذكر ابن غنام غزوة سعود بن
عبدالعزيز على القواسم في الحجرة وكبيرهم ابن عفيصان
وقد وقع ابن غنام في بعض الشطحات كعادة مؤرخي الدعوة
في ذلك الوقت من الإنحياز للدولة فذكر أن المسلمين
غنموا أموال القواسم وأنهم لم يستطيعوا الثبات .
ونحن نقول أن الهزيمة ليست عيبا فالقواسم كانوا آمنين
في منطقة بعيدة من أرض الحجرة وفوجئوا بجحافل الدولة
السعودية التي كانت سائرة للقاء الإمارة المنتفقية
فصادفت هذه الجيوش فخذ القواسم فقاتلتهم وأخذت الإبل ,
ولكننا لا نقبل وصف خصوم الدولة في تلك الفترة بأنهم
من غير المسلمين .. والشيء البارز في رواية ابن غنام
تأكيده على مشيخة ابن عفيصان على القواسم في سنة
1209هـ (1794م) وفي هذا رد على الذين يعتقدون أن مشيخة
ابن عفيصان نشأت بعد الإنفصال عن مشيخة الصمدة في
معركة الخشيبي سنة 1852م (1268)هـ . ورواية ابن غنام
النص التاريخي الثاني الذي يؤكد هذه المشيخة ..
وفي سنة 1804م هاجم سعود بن عبدالعزيز الظفير مرة أخرى
على (لينة) وهو مورد ماء معروف بالقرب من رفحاء وكانت
نتيجة هذه الغزوة هزيمة الظفير وهجرتهم بأعداد كبيرة
إلى العراق واجتيازهم الجزيرة الفراتية الى الرها (أورفة
التركية) .
يقول المؤرخ التركي سليمان فائق في كتابه (تاريخ
الكوله مند) ص39
" وفي تلك الأثناء أجازت قبيلة الظفير إلى الرها وهي
من قبائل نجد العظيمة"
وهذا يبين وصول قبيلة الظفير واستقرارها في منطقة (أورفة)
التركية والتي كانت تسمى (الرها). وقد بقيت بعض
البيوتات من القواسم هناك بعد عودة الظفير من تلك
المناطق وهذا ما يفسر وجود القواسم في (أورفة) و(تل
أبيض) و(ديار بكر) في تركيا حتى اليوم. وقد ذكر لي
الشيخ نايف رحمه الله الأفخاذ الموجودة هناك وهي
الكرعان والداوود فالكرعان يعودون للكريع والداوود
يرجعون إلى المسامير.... والله أعلم ..
وفي سنة 1809م عادت قبيلة الظفير إلى نجد بعد قتال مع
قوات سليمان باشا وقد الحقت الظفير هزيمة ساحقة بقوات
سليمان باشا ولكن القبيلة فضلت مغادرة الجزيرة تحاشيا
لثأر الدولة التركية وحليفتها قبيلة شمر في ذلك الوقت.
وسنختم هذه الصفحة بأشد ما جرى للقواسم على مر العصور
ألا وهي معركة (الدجاني) والتي أثرت في أعدادهم ورغم
أن حجم هذه المأساة كان كبيرا جدا إلا أنه بعد مدة من
هذه المعركة تحول القواسم إلى أسود صحراوية لا تعرف
الهزيمة فالمآسي كالعادة تصنع الرجال وتجعلهم أصلب
عودا في مواجهة الأخطار..
ذكرنا عودة الظفير إلى نجد بعد مقارعة عساكر الدولة
التركية وأعوانها من قبائل الشمال وفي سنة 1239هـ
(1824م) استقر الصمدة في فيضة الدجاني بالقرب من
الأرطاوية . وكان كل من (مشعان ابن هذال) شيخ الحبلان
من عنزة و(ماجد ابن عريعر) شيخ بني خالد (حاكم الأحساء)
من رجال الدولة العثمانية المخلصين لها ويجمع هاذين
الزعيمين هذا الولاء للدولة العثمانية من جهة وعداوتهم
للدولة السعودية الثانية من جهة أخرى وكان هناك الكثير
من المراسلات بين محمد علي باشا وهذين الزعيمين. وفي
سنة 1238هـ (1823م) خشي ابن عريعر من سيطرة بعض
القبائل على نجد مثل الظفير ومطير وحرب فأرسل إلى
مشعان الهذال الذي كان يتواجد مع قومه في منطقة (شثاثا)
في العراق يحثه فيها على مهاجمة هذه القبائل لأنها
احتلت أماكن عنزة في نجد كما زعم ابن عريعر ..
والحقيقة أن ابن عريعر كان يخشى تنامي نفوذ هذه
القبائل بالقرب من منطقة حكمه .
و رغم ما كان يتمتع به (العمارات) من زلفى لدى الوالي
العثماني في بغداد عن طريق (محمود الدولاني) إلا أن
مشعان لم يخفي استياءه من تدخل الدولاني في شؤون عنزة
الداخلية .. فجاء مشعان بأعداد كبيرة من قومه تلبية
لرسالة ماجد ابن عريعر وباغت الصمدة في فيضة الدجاني
سنة 1239هـ (1824م) فكان النصر للبندقية على السيف
والرمح حيث كان الظفير محرومون من الحصول على الأسلحة
النارية بسبب عداوتهم للدولة العثمانية في ذلك الوقت
(بينما كان مشعان وابن عريعر من رجال الدولة في تلك
الفترة) فقتل الكثير من رجال القواسم و الذرعان وكان
من أبرز من قتل من القواسم شيخهم مبيريك بن مهنا بن
سليمان العفيصان كما قتل أحد زعماء الصمدة من أسرة أبا
ذراع...
ويشير مشعان الهذال في قصيدته الشهيرة (الشيخة) إلى
معركة (الدجاني) وميزة الأسلحة التي لديه فيقول :
واركن على ورد الدجاني لهب نار *** وغدو بها الويلان
مثل المداوير
وأبا ذراع أصبح مقيم على الدار*** وقطعن حلال المحمرة
والمسامير
والورد المقصود بهم البدو الذين كانوا يردون الماء على
عقلة الدجاني
(مجموعة آبار)..
والويلان يقصد بهم قومه عنزة ..أما المحمرة فهو فخذ
معروف من الذرعان
ومن غير الواضح من هو المقصود من أسرة أبا ذراع الذي
قتل في هذه المعركة ولكننا نعلم أن الذي تزعم قومه بعد
معركة (الدجاني) (ماجد أبا ذراع) والذي يطلق عليه (أبو
صولجان) ..
انطلق بعد ذلك مشعان الهذال لملاقاة مطير وحرب وانتصر
في كل تلك المعارك ولكن سرعان ما تغيرت الأحوال حيث
غزا مجموعة من بني خالد على عنزة فرد مشعان بغزو مثله
الأمر الذي أغضب ابن عريعر فانقلبت الصداقة عداوة ويرد
مشعان على شاعر ابن عريعر( مهنا العناقي) بقصيدة تبين
جميل مشعان على ابن عريعر فيقول فيها :
وانت تخبر يوم اشهب الملح رعاد **** يوم الابيرص
طايرات عيونه
ثم يتجه مشعان إلى الشماسية فيقتل بعد هذه الأكوان
بسنة واحدة 1240هـ (1825)هـ بالبندقية التركية حيث
قتله أحد عساكر الترك أيضاَ فسبحان مغير الأحوال.
وبنهاية معركة (الدجاني) تبدأ حقبة جديدة في حياة
القواسم فقد استفادت القيادات القاسمية اللاحقة من هذه
الحادثة واهتمت اهتماما كبيرا بتحديث السلاح إلا أن
القواسم ظلوا فترة تقارب الخمسة وعشرين عاما من غير
راية حربية خاصة بهم حيث دخلت الراية القاسمية تحت
راية ماجد أبا ذراع وأصبحت راية الحرب واحدة بدلا من
أثنتين .. بسبب مقتل الكثير من رجال القواسم الكبار
كما أصبح الشأن الداخلي للقواسم يعود الى (جفران
العفيصان) وكان رجلاً طاعناً في السن لا يقوى على
الحرب وكان مستشاره المقرب منه ( جاموس بن عرسان
القاسمي) ولم يكن ابن عرسان بعيدا عن جفران في السن
وسنرى تفاصيل ارتفاع الراية القاسمية من جديد على يد
نهار بن مبيريك العفيصان في معركة ( الخشيبي) إن شاء
الله..وكيف يتحول التاريخ القاسمي إلى تاريخ حافل
بالانتصارات و التي اعترف بها العدو قبل الصديق..
فإلى اللقاء في الصفحة الرابعة ...
سند الحشار بتاريخ 18/8/2006
|