:: الصفحه الرئيسيه :: :: اتصل بنا ::
 

 

 

الصفحة الرابعة من تاريخ القواسم (4) معركة الخشيبي والراية القاسمية


تحدثنا في الصفحة الثالثة عما تعرض له الظفير من هجمات على يد الدولة السعودية الأولى والثانية حيث أدت هذه الهجمات إلى هجرة الظفير إلى الجزيرة الفراتية بقيادة (الشايوش بن عفنان السويط) . حتى وصل الظفير إلى منطقة أورفة التركية ثم عادت القبيلة في سنة 1809م بعد مشاكسات عنيفة مع الدولة التركية . ثم ذكرنا معركة (الدجاني) وتأثيرها الكبير على الصمدة وذكرنا مقتل (مبيريك بن مهنا العفيصان) .

وبعد مقتل( مبيريك بن مهنا ) تولى أمر القواسم( جفران بن مقيحم بن مبارك العفيصان) وتوحدت راية الحرب مع ماجد أبا ذراع . وظل( جفران) يقود القواسم في مسألة الرحيل والإقامة وغير ذلك وكان مستشاره المقرب في كل هذه الأمور (جاموس بن عرسان القاسمي) .
كانت قيادة الظفير لسلطان بن سويط الذي تحرك بشكل واسع على الأرض وأخذ يجوب الصحاري النجدية والعراقية .. ونظراً لأن هذا البحث يختص بالقواسم فسأتجاوز تاريخ سلطان بن سويط الملئ بالأحداث في هذه الفترة وربما سنتعرض لتاريخ سلطان إذا فرغنا من حلقات تاريخ القواسم إن شاء الله . ومما تجدر الإشارة إليه أن القواسم تحركوا مع باقي الظفير بقيادة سلطان عندما أغار على العجمان في (خفيسة) وشهدوا معركة (الصحن) ضد عنزة وشاركوا في معركة (تل اللحم) ولكني سأترك التفصيل في كل هذه الأمور إلى وقت لاحق ..

ذكرت سابقاً : أن مشعان الهذال أغار على الصمدة سنة 1824م في عقلة (الدجاني) وقتل الكثير من الصمدة ومن أبرز من قتل من الشخصيات القاسمية (مبيريك بن مهنا العفيصان) وقد شهد (نهار بن مبيريك) مقتل والده وكان صغيرا لم يتجاوز الحلم الأمر الذي أثر في نفسه تأثيرا كبيرا . وعندما بلغ (نهار) بواكير شبابه ظهرت عليه علامات الفروسية وأخذ يتململ من استبداد عمه( جفران) و(جاموس) في الأمر وعدم مشاورته كما لم يخفي امتعاضه الشديد من تسليم الراية القاسمية الحربية . ورغم تأثير معركة (الدجاني) على أعداد القواسم إلا أنهم احتفظوا بالتفوق العددي على باقي الصمدة وذلك لأن المعركة أثرت أيضا على باقي الصمدة بنفس الحدة التي أثرت فيها على القواسم.
ظل (نهار) يتحين الفرصة تلو الأخرى لإنهاء ما يراه إنهزامية لا تراعي قوة القواسم وشجاعتهم وتفوقهم العددي وفي إحدى المرات قرر ما يجب أن يكون ..
بينما كان القواسم راحلين للبحث عن مرعى جديد لماشيتهم في إحدى صحاري نجد, قرر (نهار) أن يسبق القوم على فرسه لكي يجد لهم المرعى المناسب فوقع اختياره على أحد الأماكن الجيدة ثم عاد مسرعا فأخبر (جفران) و(جاموس) بالمرعى الذي وجده وأنه يراه مناسب لإقامة القواسم ولكن (جفران) و(جاموس) لم يكونا يريا له رأياً بسبب صغر سنه وكانا راكبين على جملين فقال (جاموس) :" ما تقول يا جفران في هذا المكان" ؟
فقال: " جفران أرى أن ننزال قدام " فتجاوزا المكان الذي اقترحه (نهار) ودكّ (جاموس) جمله في إثر (جفران) وفي هذه اللحظة ركب (نهار) فرسه وانطلق خلفهم فغرز حربته في بطن جمل (جاموس) فقتله ثم التفت إلى (جفران) وقال :
"والله لولا قرابتك وسنك لقتلتك .. هيا عودوا جميعا إلى المكان السابق "
فعادوا مرغمين بعد أن رأوا جديته وحزمه في الأمر وانتهت بعد هذه الحادثة مشيخة (جفران) على القواسم وانتهت معها مشورة (جاموس بن عرسان) ولكن أبناء القواسم ظلوا يكنون الإحترام لـ (جاموس بن عرسان ) ويوقروه لكبر سنه وحصافة رأيه ..
أما (نهار) فقد قرّب للمشورة الرجال الذين شعر بإخلاصهم وشجاعتهم ..

واعتقد أن الشاعر محمد بن فراهيد قد ظهر في هذه الفترة (فترة مشيخة نهار )ويعتبر النص الشعري لمحمد الفراهيد الذي يردده أبناء القواسم حتى يومنا هذا من أقدم النصوص الشعرية التي وصلتنا من تاريخ القواسم حيث يرد على أحد شعراء الظفير الذي أثار محمد في بعض أبياته وتجنبا لأي حساسية سنتجنب اسم الشاعر وبعض أبيات محمد الفراهيد وسنورد تأكيد محمد في أبياته على نسبة القواسم إلى بني عامر من سبيع أما الشيخ نايف رحمه الله فيرى أن محمد الفراهيد كان موجودا قبل مشيخة نهار وأنه كان حيا أثناء الحقبة النجدية للقواسم بينما يؤكد العم( شعيل الوحيد) وجوده في زمن مشيخة نهار .. ولعلي أختار أحد أبيات قصيدته الشهيرة وأترك الباقي لعدم المناسبة:


حنا الطماح الذهب الصاح وانشد القاري عما قرا
ذوابة عامر غش الزامر ليا من جمع لجمع نحرا

....................................


بعد سنوات قليلة من حادثة استلام (نهار) زمام الأمور على مستوى القواسم رحل الظفير بقيادة (سلطان ابن سويط) إلى منطقة ( ريش نصار) في أواخر سنة 1852م.. وكان (سلطان) قد اتفق مع" ابن هذال" على المهادنة ووقف الغزوات فيما بينهم إلا أن (ابن هذال) نزل في إحدى الليالي على ابل رجل ظفيري يدعى (دعيبيل بن بادي العريفي) فلما طلع الصباح رأى الإبل فأعجبته وسأل عنها فقالوا لفلان من الظفير فقرر أخذها .. و تبع(ابن بادي )الظفير فوصل إلى سلطان في منطقة (ريش نصار).

قلت سند الحشار : "كنت قد أخذت الكاميرا و ذهبت قبل شهرين إلى منطقة السعيرة وسألت صديقي الأستاذ رفاعي بن دلة المطيري عن هذا الموضع فأخبرني أنه يبعد عن قرية العليا 50 كيلو متر جنوبا ونصحني بعدم الذهاب إلى هناك لوعورة المكان على السيارة الصغيرة فعدلت عن فكرة الوصول إلى هناك لتصوير المكان" .

(وهنا لا بد من التنويه إلى أن ما ذكره المستشرق بروس انغام أن الخشيبي وقعت سنة 1875م غير صحيح على الإطلاق وهذا الاستدراك على مسؤليتي أنا سند بن مشيّل الحشار والمسألة فيها تحقيق يطول شرحه هنا)


تحرك سلطان بالظفير باتجاه الجنوب للتمويه حتى أنتشر النبأ بذلك عبر الصحراء إلى خصوم الظفير ثم انحرف باتجاه معاكس (نحو الشمال) إلى وادي (الخشيبي ) لملاقاة العمارات من عنزة حيث يبعد شعيب( الخشيبي) عن شعبة نصاب بحوالي 70 كيلو متر . ومن الواضح أن الظفير لم يتجهوا مباشرة إلى أرض المعركة بل أخذوا يقيمون أياما في كل مكان يصلون إليه وذلك لأن الشاعر دعيبيل بن بادي ذكر أن مدة المسير إلى أرض الخشيبي كانت ثلاثة أشهر
تسعين ليلة ما شفنا ظهور زملنا = برد ورحيل والهبوب شمال


رغم أن المسافة يمكن أن تقطع على ظهور الإبل خلال أسبوعين (15يوما)

فالمسافة من ريش نصار إلى (الخشيبي) حوالي 490 كيلو متر . وقد وصل الظفير إلى شعيب (الخشيبي) بعد ثلاثة أشهر من استنجاد دعيبيل بن بادي بقومه .

قلت سند الحشار وقول ابن بادي : ( برد ورحيل والهبوب شمال ) أوقعني في شيء من الحيرة في تحديد تاريخ المعركة وذلك لأن هذا البيت يبين أن المسير كان في الشتاء وهكذا فإن المعركة إما أنها وقعت في أواخر سنة 1852م أو بداية سنة 1853م والله أعلم ..

وما أن وصل الظفير إلى الخشيبي حتى حرّك (نهار) في القواسم غريزة المغالبة وهز فيهم أريحية الكرامة الذاتية , وبصرهم بأنفسهم وأشعرهم بشخصيتهم القبلية وعرفهم أن لهم رسالة في تاريخ صحراء العرب أكبر من التبعية وأدركوا جميعا أنهم جسم ضخم مترامي الأكتاف داخل القبيلة فلا بد من الهيبة التي توازي هذه الضخامة فلم يكن( نهار) بالرجل الذي يقبل التبعية فهو رجل غير خامل الذكر ولا مجهول النسب ولا ذليل العماد ..
وعندما تراءت الجموع في شعيب الخشيبي , تذكروا أن لهم حساب خاص يجب تصفيته مع هؤلاء الخصوم لأنهم الذين قتلوا آباءهم في (الدجاني) لذا فقد بادر
( عيد بن شايع التويمي) برفع راية منفصلة للقواسم في هذه الحرب و ناصره (عيد بن خليوي المقرن القاسمي) في هذه الفكرة التي أيدها (نهار) سريعا .

رأى (ماجد أبا ذراع) الراية فأرسل لهم من يحذرهم ويأمرهم بإنزال الراية فورا "وأن القواسم أولادي ولا حاجة لرايتين"
فقال كل من (عيد بن شايع) و(عيد بن خليوي) لرسول أبا ذراع : " جمعنا أكبر من جمعكم وليس لماجد الحق في منعنا من رفع الراية ولسنا تحت أمره " ثم شرعوا في بناء بيت نهار (المضيف) فتوعدهم ماجد بالقتل بعد انتهاء المعركة مع ابن هذال .. وأخذ القواسم يهزجون هذه الهوسة
حنا عيالك ياجاموس ... نهوّس والعيفان جلوس

والتقت الجموع واقتتل الطرفان قتالا مريرا استمر أكثر من خمسة عشر يوما وبرز فيه أسود القواسم وثبتوا في ميدان المعركة التي اعتبروها حاسمة بين ( أن نكون أولا نكون) وفي اليوم الأخير تمكن أحد قناصة الظفير من قتل أحد فرسان القوم المؤثرين واسمه (عظامان) فتضعضعت بعده معنويات العمارات وبدأوا بالإنحسار من أرض المعركة فكان النصر حليف الظفير .. وانتهت بذلك واحدة من معارك الظفير الكبرى في الجزيرة العربية ..

بعد انتهاء معركة الخشيبي أصبح القواسم أصحاب راية حربية منفصلة عن باقي الصمدة ولم يعد أبناء القواسم يدفعون الضريبة المسماة (ناقة الشداد ) لأحد ..
وفي نفس السنة من عام 1853م غزا مجموعة من القواسم وكان (عيد بن خليوي )
أحدهم في هذه الغزوة وعادوا ومعهم بعض الغنائم فتم استدراج (عيد بن خليوي) تنفيذا للتهديد الذي ذكرناه في معركة الخشيبي ليتم اغتياله بخديعة الهبت الغضب لدى جميع القواسم ..
شعر القواسم بوقوع حيف عظيم عليهم في هذه الحادثة لأن (سلطان بن سويط) لم يؤيد انفصالهم براية حربية مستقلة عن الصمدة وعارضهم في ذلك أيضاً فقرر القواسم الرحيل إلى الجزيرة الفراتية ومجاورة فرحان بن صفوق الجربا .. وقد أشار الشاعر سند الحشار إلى الهجرة الأولى بعد أربعين عاما منها في قصيدته بعد معركة النقيطة في سنة 1892م والتي هاجر بعدها القواسم الهجرة الثانية :
رحنا لديار معذبين المخاليق... أهل الوهايب والعطايا الكبيرة
هلن لنا يوم الوقوت السوابيق... لعازاتنا حنا وأهلنا ذخيرة

وهكذا يتبين لنا أن القواسم هاجروا هجرتين طويلتين عن الظفير الأولى سنة 1852م والثانية سنة 1892م

وفي السنة التي وقعت فيها معركة الخشيبي (1852م- 1853م) يأتي مندوب عباس باشا للسؤال عن أصايل الخيل لدى قبيلة الظفير وهي مشتته ما بين الجزيرة الفراتية وجنوب العراق فتخرج مخطوطة عباس باشا وهي تحمل في طياتها مدى الاحتقان الموجود في تلك الفترة بين الظفير من جهة والقواسم من جهة أخرى حيث نجد أن (جازع أبا ذراع) يقدم نفسه للمندوب بلقب (شيخ الجواسم) في عدة مواضع من المخطوطة وليس (شيخ الصمدة) كما هو متوقع . وهي محاولة للتأكيد على مشيخته للقواسم .. ويذكر( سلطان بن سويط) وجود القواسم في الجزيرة في موضعين من المخطوطة .. أما (غدير السمري القاسمي) فيصف جلاء( سلطان بن سويط )من نجد إلى (الكوم)(بالهروب).. وكان هذا الجلاء بسبب تهديدات (عقيل أخو سعدى) ... وكان الشاعر ابن ربيعة قد سبقه بهذا الوصف حيث يقول :

وهجيج سلطان السويطي عدا الكوم ... والشمري للشام يلبق ظعينة

ولعلي أتوقف هنا تجنبا للإطالة ... وقد اختصرت في هذه الصفحة الكثير من التفاصيل والتي ستجدونها إن شاء الله في الكتاب التاريخي الذي أقوم بجمعه الآن..

إلى اللقاء في الصفحة الخامسة من تاريخ القواسم .. ..

سند الحشار بتاريخ 10/9/2006

 

 

 

 

 

 

   
إهداء للقواسم من شبكة النادر